الأحد، 13 أغسطس 2017

وجيه عباس يتوقف عن (كلامه) وصدمة وأسف في الشارع الشعبي العراقي





لم يكن " كلام وجيه" مجرد برنامج تلفزيوني يبث عبر الشاشة الصغيرة فحسب، بل كان هذا البرنامج نافذة هم عراقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كان موعد بث هذا البرنامج العراقي الصميمي لحظة بوح عميقة يفرغ كل منا همومه وآلامه، احتجاجه وطموحاته، ثورته وغضبه، عبر ما يقوله الاعلامي والصحافي العراقي وجيه عباس. كثيراً ما تسمرتُ شخصياً امام الشاشة، وحبستُ الانفاس خوفاً مما سينطق به هذا الرجل الذي يحمله خشبتهِ ليصلب بها، هكذا يقول الحاج قاسم وهو يتحدث بأسى ولوعة عن الاعلان المفاجئ الذي صدم وجيه عباس محبيه به، عبر اعلانه النهاية مع برنامجه الذي دام ثلاثة اعوام طوال وحبلى بالمكاشفة.



الحاج قاسم وغيره ممن كانوا يتابعون حلقات "كلام وجيه"، كانوا يجدون فيه صوتاً لجمتهُ الساسة، وكلاماً منعته المصالح الحزبية والشخصية من أن ينساب عبر قنوات أخرى, فكلام وجيه عباس، لم يكن معداً سلفاً، ولم يرض ان يكتب له " سيكربت" من أسرة الأعداد ابداً، كان (ابو علي) حريصاً على أن يكون مع مشاهديه، وأن يكتب مشاهدوه برنامجهم بأنفسهم، لذا كانت الحلقات ساخنة بسخونة الوجع العراقي، ولاذعة بقوة احتجاج الناس ازاء الفشل والفساد واستشراء مافيات النهب العام، وكانت الحلقات صاخبة بصخب أنين الثكالى والمكلومين. كان وجيه يجمع مع كل مساء الأسى العراقي في سلة واحدة، ويطرحه على جمهور عريض يشاهده عبر قناة العهد التي نشهد لها، بأنها كانت شجاعة بما يكفي لتحتمل قسوة " أبو علي " ونوبات غضبه العراقية الهادرة .



مساءاً كان " كلام وجيه " يبثُ ثورة الفقراء، ويعلن بأسمهم أقوى احتجاج يمكن ان يسمعهُ الساسة، وينطق بما كممته المصالح، وحجبته المخاوف .



أنا وكصحفي، اشاهد حلقات هذا البرنامج، كنتُ أسال نفسي بعد نهاية كل حلقة، كيف يعود هذا الرجل آمناً لبيته وعياله، وهو يجلد اضلاع الطائفيين والفاسدين والفاشلين بكل سياط الكلام الموجع، كيف يمكن أن يصل اعلامي الى هذه الدرجة من العفوية والشجاعة والقدرة على تسمية الأسماء بأسمائها، ولا يملك في سيارته مسدس واحد يذود به عن نفسه، لقد كان وجيه اشجع من مخاوفنا عليه، نحن زملاؤه واصحابه..



أجزم ان في كل مساء الآف العوائل، وملايين الأعين تنشد نحو الشاشة الصغيرة، وتنتظر " كلاماً وجيهاً " ليقول ما تريده هذه العوائل، ولينطق عنها بما تشتهي، ويكسر قداسات الساسة، ويذل طغيان من يتفرعن ضد فقراء العراق المبتلى.



لم يكتفِ عباس بهذا الدور، بل كان برنامجه الشهير، نافذة أمل لكل من لا يجد باباً يطرقه، فكثيراً ما طلب مني فقراء، أو اصحاب حاجة عجزوا عن طرق أبواب المسؤولين والنواب، رقم هاتف وجيه عباس، ليكلموه وليطرح قضاياهم على الملأ، وما خيب " ابو علي " ظن أحد قصده قط .



في هذا اليوم، يكتبُ " وجيه عباس" خطاب النهاية،مقتضباً حزيناً، ويريد أن يغلق مع الناس نافذته اليومية، فكانت صدمة حقيقية ولحظة يعجزُ فيها المرء عن أن يقول شيئاً سوى أن القرار، مجحف بحق الفقراء، وبقينا نحن المحبين له، ولصوته، ووطنيته، وفروسيته التي قهرت الطغاة، واعداء الله ..



وانت يا من فضلت ان تبقى صوتهم على أن تكون في منصب مرموق في أحدى الوزارات، لا نظنك تقبل ان تغلق النافذة مع احبتك الموجوعين.



ان توقف " كلام وجيه" لحظة حزن وفرح معآ. نعم إذ سيفرح الكثير ممن تنالهم سياط نقدك، وقوة دليلك وصدق حجتك، وسيتخلصون من نافذة تعري فشلهم وفسادهم كل يوم، هذا مؤكد.



لكن هذا التوقف لحظة حزن لفئات هائلة من شعبنا الذين لن يجدوا متنفسا أخر ليقولوا عبره ما يريدون قوله، ولن يجدوا مثلك يا " وجيه" من يجرؤ على القول بمثل جرأتك . مهما يكن من ظروف وملابسات التوقف، لكننا لن نقطع الأمل في عودة أخرى لك أيها الاعلامي الوطني الباسل لتقول ما عجز الآخرون عن قوله.



فلا تطل الغيبة على الفقراء، فهم بانتظارك، وانا معهم منتظرون .